ابن خلكان
40
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فحاربه ابن عمه منذر بن يحيى التّجيبي ، فاستظهر عليه وعجز عن دفعه لكثرة رجاله ، وترك له مدينة وشقة ، وفر بنفسه ولم يبق له بالبلد علقة ، وكان صاحب رأي ودهاء ولسان وعارضة لم يكن في أصحاب السيوف من يعدله في هذه الخلال في ذلك العصر . 208 وكان ولده معن والد المعتصم مصاهرا لعبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية ، فلما قتل زهير مولى أبيه - وكان صاحب المريّة - وثب عبد العزيز على المريّة فملكها لكونها كانت لمولاهم ، فحسده على ذلك مجاهد بن عبد اللّه العامري المكني أبا الجيش صاحب دانية ، فخرج قاصدا بلاد عبد العزيز وهو بالمرية مشتغل في تركة زهير ، فلما سمع بخروج مجاهد خرج من المرية مبادرا لاستصلاحه واستخلف بها صهره ووزيره معن بن صمادح والد المعتصم فخانه في الأمانة وغدر به ، وطرده عن الإمارة ، فلم يبق في ملوك الطوائف بالأندلس أحد إلا ذمه على هذه الفعلة ، إلا أنه تم له الأمر واستتب . فلما مات انتقل الملك إلى ولده المعتصم وتسمى بأسماء الخلفاء ، وكان رحب الفناء ، جزل « 1 » العطاء ، حليما عن الدماء ، طافت به الآمال ، واتسع في مدحه المقال ، وأعملت إلى حضرته الرحال ، ولزمه جماعة من فحول الشعراء كأبي عبد اللّه ابن الحداد وغيره ، وله أشعار حسنة ، فمن ذلك ما كتبه إلى أبي بكر ابن عمار الأندلسي - المقدم ذكره - يعاتبه : وزهدني في الناس معرفتي بهم * وطول اختباري صاحبا بعد صاحب فلم ترني الأيام خلّا تسرني * بواديه إلا ساءني في العواقب ولا صرت أرجوه لدفع ملمة * من الدهر إلا كان إحدى النوائب فكتب إليه ابن عمار جوابها ، وهي أبيات كثيرة فلا حاجة إلى ذكرها . ومن شعره أيضا : يا من يحسمي لبعده سقم * ما منه غير الدنوّ يبريني
--> ( 1 ) ن : جزلا في .